السيد محمد حسين الطهراني
74
معرفة المعاد
والصورة ، فيراها الإنسان في عالم الصورة . فقد تشاهدون في نومكم أنّكم تشربون الماء - مثلًا - أن تسبحون في بحر زلال صافٍ ، ويحصل ذلك بسبب اتّباعكم المعارف والعلوم . فالعلم من الصفاء بالقدر الذي لو شُبّه معه في عالم الحسّ بشيء ، لكان ذلك الشيء ماءً ، لا حجارةً ولا خشباً ولا شجراً . فالماء في جريانه يمثّل رحمةً لا بُخل فيها . إذ يمكن لكلّ امرئ أن يشرب الماء دون تزاحم مادّيّ ، ولو صُبّ الماء على الأرض لجرى أينما أمكنه الجري ، ولتسلل في فتحات الأرض والجبال ومساماتها ، ولجرى في طبقات الصخور . فتلك هي خاصّيّة الماء . والعلم في عالمه ومرتبته على هذه الشاكلة . لذا يرى طلبة العلم في نومهم أنّهم يبحثون عن الماء ؛ فإن انهمكوا في تحصيله فعلًا ، شاهدوا أنّهم يشربونه أو يسبحون فيه . أمّا من يشاهد في نومه أنّه يشرب اللبن ، فإنه يحظى بالمعارف الإلهيّة . وأمّا من يشاهد أنّه يذهب إلى الحمّام فيغسل بدنه أو يتوضّأ أو يغتسل ، فمن المسلّم أنّه في صدد تزكية نفسه وتطهيرها ، لأنّ الاغتسال والطهارة الظاهريّة مثال وأنموذج محسوس من الطهارة الباطنيّة ، حيث تتجلّى تلك الطهارة الباطنيّة في ذلك العالم في هيئة الوضوء والاغتسال . وقد يرى امرؤ في النوم أنّه يريد التوضّؤ أو القيام بالتطهير ، لكنّه يبحث عن الماء فلا يعثر عليه . ومثل هذا الشخص في صدد تزكية نفسه إلّا أنّه لم يوفّق بعدُ للقيام بتلك التزكية . وبطبيعة الحال فإنّ هذه المطالب متعلّقة بعالم المثال والبرزخ والصورة وليس بعوالم ما فوق الصورة . فما أخبرنا به القرآن - إذاً - من أنّ الجنّة والنار والحور العين وجَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ ودرجات الجنّة ودركات الجحيم هي أمور ذات